يزداد توجه الشركات العالمية للسوق العربية بشكل أسّي ملحوظ؛ إذ وخلال الأعوام الماضية القريبة شهدنا افتتاح فروع محلية رئيسية في دبي والرياض لشركات لربما كانت السوق العربية هي سوق ثانوية بالنسبة لها، ولكن استقرار المنطقة وانخفاض معدل الضرائب عوامل أساسية لتنمية هذا النوع من التغيير؛ تركيزي بشكل أساسي على قطاعي التقنية والعلامات الغذائية، ففي الوقت الحالي أراهما لاعبًا أساسيًا في مدن سريعة النمو، وتركيزي بشكل أخص حول تواصل العلامة وتوطينها.
في العامين الماضية كنت على احتكاك مباشر بالشركات العالمية متعددة الجنسيات، منها من عملت فيها بدوام كامل ومنها من كانت مشاريع مستقلة على فترات مختلفة. وأجد أنه هناك عامل مشترك في هذا النوع من الشركات في فرقها الداخلية – العلامة، التسويق والتصميم – حول كونيّة السوق المحلية، فمنهم من كان معقدًا جدًا، ومنهم من كان مسطِحًا للأمر لدرجة اختزاله في صحراء المنطقة، ثيابها التقليدية أو حتى الذهب والفضة والكثير من السيناريوهات.
سأستغل هذه المساحة لتوضيح منظوري حول التوطين – localization – وماهية التوطين في المنطقة كي لا تبدو العلامات بلسان عربي ثقيل وصورة عربية مشوهة؛ فهناك أُسس واضحة.
أهمها أن تكون العلامة أصيلة، أن لا تصرخ بكامل ميزانية التسويق أنها تفهم المنطقة مطالبة بأن يتقبلها المجتمع، فالمستهلك العربي لمّاح وواعي، فلا تحتاج أن تكسي تميمة العلامة بالثوب والعباية دون فهم قيم المجتمع ومبادئه، ولا أن تحول واجهة وتجربة المستخدم (UI/UX) من اليسار لليمين دون فهم تسلسل اللغة، فتأثير اللغة يتجاوز تأثير اتجاه القراءة حتى أسلوب التفكير واتخاذ القرار.
العربية أولًا؛ فلا يمكن ترجمة الحملات الإعلانية ترجمة حرفية، بل إعادة صياغتها؛ ولا يمكن أن يكون الفريق الداخلي يفكر بالإنجليزية ومن ثم ترجمتها للعربية، بل التفكير بالعربية أولًا ومن أهل الثقافة أنفسهم حتى تلامس الحملات واقع فعلًا يعيشه المستهلك ويلتمس مشاعر يألفها. نجحت بهذا Apple، خصوصًا بالكتابة التفاعلية في إعلاناتها مؤخرًا في شوارع دبي، فوصفت كاميرا هواتفها بالـ فوتوخرافية، وحافظت على ثبات علامتها، فابتكرت مصطلحًا مرنًا يحبه الناس بدلًا عن الترجمة الحرفية لكاميرا فائقة الجودة؛ فما وجدناها تطلي هواتفها بالأخضر ولا يرتدي ممثلي إعلاناتها ثوبًا وعباية، فهي تعي جيدًا أنها شركة غربية تتواصل مع سوق عربي. قطعًا لست ضد توطين صورة العلامة التجارية خلال الإعلانات، ولكنني ضد اختزال التوطين بالرداء والألوان.
قوقل كذلك من الشركات التي تتواصل بشكل جيد في المنطقة، فحملاتها الإعلانية في شوارع مصر، وحملات Google Gemini مؤخرًا تؤكد أن الفريق الداخلي هم من أهل المنطقة، فعرفوا أن الطريق الأقرب لقلب المصري هي الكوميديا، وأن المنتخب المغربي جمع قلوب العرب في كأس العالم الماضي. فالحكاية يفهمها أهلها.
وفي قطاع توصيل الطعام مؤخرًا نجد قوة المنافسة بين كل من التطبيقين الأشهر الآن، فالأول يعتمد على قوة علامته وثقة أهل المنطقة بها، والآخر يتخذ استراتيجية تحطيم الأسعار كعنصر تنافسي أساسي؛ هذه المنافسة تثير اهتمامي وتساؤلي حول مصير الأصفر حين التوقف عن ضخ هذه الميزانية على العروض، هل سيعود من هاجر إليه أم ستنجح استراتيجية الاستحواذ المبنية على العروض في تحويل المستخدم لمستخدم دائم، أي أن يعتاده.
الموضوع طويل ولا يمكن اختزاله بمقالة واحدة؛ فهذه المقالة هي نقد بناء خلال قراءتي للسوق ولست مهاجمًا لسلوك أو علامة بعينها؛ وبشكل أساسي مبنية حول منطقة الخليج كونها المنطقة التي أفهمها.